البنك الدولي: الفلسطينيون يزدادون فقرا وتنافسيّة اقتصادهم تتآكل تدريجيا

الثلاثاء 29 سبتمبر 2015 10:08 ص بتوقيت القدس المحتلة

البنك الدولي: الفلسطينيون يزدادون فقرا وتنافسيّة اقتصادهم تتآكل تدريجيا


البنك الدولي: الفلسطينيون يزدادون فقرا وتنافسيّة اقتصادهم تتآكل تدريجيا

- سيبقى مستوى أداء الاقتصاد الفلسطيني أدنى من طاقاته الكامنة إلى أن يتمّ إبرام اتفاق سلام 

- أوصى المانحين زيادة المعونات التي يقدّمونها إلى السلطة الفلسطينية    

واشنطن - دائرة شؤون اللاجئين - 29-9-2015 - كشف تقرير المراقبة الاقتصادية المقدم إلى لجنة الارتباط الخاصة، والذي حصلت 'وفا' على نسخة منه اليوم الثلاثاء، ان تنافسيّة الاقتصاد الفلسطينيّ، حسبما تثبته تقارير البنك الدولي، ما زالت تتآكل تدريجياً منذ إبرام اتفاقات أوسلو، ولا سيّما في قطاعيْ الصناعة والزراعة.

وشدّد التقرير على أنه وبالرغم من المعونات التي تُقدّمها الجهات المانحة قد عملت على زيادة الخدمات التي تُموِّلها الحكومة الفلسطينية، وعلى مؤازرة النّموّ الذي يُحرّكه ويقوده الاستهلاك خلال الفترة من 2007 – 2011، إلا أنّ هذا النموذج من النمو قد أثبت أنّه يفتقر إلى الاستدامة.

فقد تراجع الدّعم الذي يقدّمه المانحون تراجعاً كبيراً في السنوات الأخيرة؛ ومن الطبيعي القول بأنّ المعونات لا تستطيع أن تَسُدَّ النّقص في استثمارات القطاع الخاص، التي لا تفي بالغرض. لذلك فقد بدأ  النمو  بالتّباطؤ منذ عام 2012، فتقلّص الاقتصاد الفلسطيني في عام 2014 بعد أن وضعت الحربُ أوزارها في قطاع غزة. وفي أوائل عام 2015، كان مستوى النّاتجُ المحليّ الإجماليّ لا يزال أدنى من المستوى الذي بلغه قبل عام. فنظراً للنمو السكاني، ما زال نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي آخذاً في التّقلّص منذ عام 2012.

ويظلُّ مستوى البطالة مرتفعاً، ولا سيّما في أوساط الشباب في قطاع غزة، حيث تجاوزت نسبة البطالة بينهم الـ 60 في المئة، وحيث تعيش نسبة 25 في المئة من الفلسطينيين، في الوقت الحاضر، تحت خط الفقر. وبالرغم من الجهود المتواصلة للسلطة الفلسطينية في عملية الاصلاح، الا ان هذه الجهود لم تمنع ظهور فجوة مالية في ميزانية السلطة للعام 2015 في ظل ضعف النمو الاقتصادي، وانخفاض المعونات من المانحين، والتّعليق المؤقّت من جانب الحكومة الإسرائيلية لعملية تحويل الإيرادات التي تجمعها نيابة عن السلطة الفلسطينية. ويُحتَمَلُ أن تؤدِّي استمرارية هذا الوضع إلى اضطرابات سياسية واجتماعية. وباختصار، فإنّ الوضعَ الرّاهن يفتقر إلى الاستدامة، وقد يؤدي الى اندلاع المزيد من الصّراع والاضطرابات الاجتماعية.

وقال التقرير: 'إن مستوى أداء الاقتصاد الفلسطيني سوف يبقى أدنى من طاقاته الكامنة إلى أن يتمّ إبرام اتفاق سلام. يُشكِّلُ انعدام الاستقرار السِّياسي خطراً كبيراً على المستثمرين من القطاع الخاص، ويُعتَبَرُ سبباً رئيساً يُفسِّر أسباب بقاء مستويات الاستثمار من جانب القطاع الخاص متدنيةً جداً لعديد السنوات. وإذا ما استمرّ الوضع الرّاهن على ما هو عليه حاليّاً، فإنّ الاستثمارَ من قبل القطاع الخاص لن ينتعشَ، وإنّ هذا القطاع، الذي ينبغي أن يكون المحرِّك الرئيس للنّموّ المستدام، سوف يستمرّ في الأداء بمستويات أدنى بكثير من طاقاته الكامنة. كذلك فإنّ الانقسام الفلسطيني الداخلي، بين الضفة الغربية وقطاع غزة، يخلق صعوبات لمستثمري القطاع الخاص الذين يضطرُّون للتّعامل مع إطارين تنظيميّين، ونظامين منفصلين للضرائب في كلٍّ من الضفة الغربية وقطاع غزة. بَيْدَ أنّ الافتقار إلى الأُفق السِّياسي، يجب أن لا يؤدِّي بالطرفين إلى تقبل الوضع الحالي. فَثَمّةَ الكثيرُ من الإجراءات التي يُمكن اتّخاذها، حتّى قبل التّوصل إلى صفقة سلام نهائي، والتي من شأنها أن تعمل على تحسين مستوى التنمية الاجتماعية - الاقتصادية للفلسطينيين. فهذه الإجراءات ضروريّةٌ، لا للتّنمية الاقتصادية فحسب، بل لعملية السّلام أيضاً، نظراً لأنّ  التجربة الدولية قد اثبتت ان التّنمية الاقتصادية تُفضي إلى السّلام'.

وأضاف 'انه من الممكن للاقتصاد الفلسطيني تجاوز التّوقعات المفترضة، حتّى من دون إبرام صفقة سلام نهائية، إذا ما جرى تنفيذ الاتفاقات النّافذة، ورفع القيود المفروضة. فعلى سبيل المثال، فإنّ اتفاقية أوسلو تنبّأت بحدوث انتقال تدريجيّ للمنطقة المصنّفة 'ج' إلى السيطرة الفلسطينية، ولكن ذلك لم يحدث بعد. وتُبيِّنُ تقديرات البنك الدولي بأنّ إتاحة الإمكانية للاستفادة من المنطقة المصنّفة 'ج' (ما عدا المناطق الخاضعة لمفاوضات الوضع النهائي) من شأنها أن تزيد حجم الناتج القومي الفلسطيني بالثلث تقريباً، وتُخفِّضَ العجز لدى السلطة الفلسطينية بمستوى النّصف. وبالمثل، فإنّ تحويل الحكومة الإسرائيلية الإيرادات التي تجمعها بالنّيابة عن السلطة الفلسطينية بصورة منتظمة، والتّعاون الوثيق بين الحكومة الإسرائيلية والسلطة الفلسطينية بهدف تقليص عمليات التّسرب الضريبي إلى الحدِّ الأدنى تعتبرُ عوامل حاسمةً لضمان القدرة على التّنبّؤ المالي. وبالنسبة إلى القيود المفروضة على حركة وتنقل الفلسطينيين وقدرتهم على الوصول إلى الموارد،  فإن أحدثَ التّصريحات التي صدرت عن المسؤولين الإسرائيليين بشأن أهمية التّنمية الفلسطينية، مُرحَّبٌ بها فيما لو تم تنفيذها.

وأخيراً، فإنّ التّنفيذَ التّامّ لاتفاقية باريس الاقتصادية وتوسيع نطاق العمل المشترك بين المؤسّسات العامة الإسرائيليّة والفلسطينيّة من شأنهما أن يُساعِدا في إنشاء بيئة للأعمال والأموال قابلة للتّنبّؤ بها بدرجة أكبر. كذلك فإنّ الحصار المفروض على قطاع غزة من البلدان المجاورة للقطاع لا بُدَّ له من أن يُرفَعَ بطريقة تحمي بواعث القلق الأمنية المشروعة لتلك البلدان. ويُرحَّبُ أيضاً بالتّدابير الإسرائيليّة التي تقضي بالسّماح لمزيد من السِّلع بمغادرة قطاع غزة، وقد اتّسَع نطاقُ هذه التّدابير منذ آخر اجتماع عقدته لجنة الارتباط الخاصّة (AHLC)، ولكن الوضع يتطلّب عمل المزيد من هذه التدابير: فنسبةُ ستة في المئة فقط من السِّلع التي كانت تُغادرُ قطاع غزة قبل الحصار، هي التي يُسمحُ لها حاليّاً بمغادرته. وبصورة عامّة، فإنّ إتاحة الإمكانية للفلسطينيين للحصول على مدخلات الإنتاج والنّفاذ إلى الأسواق الخارجية، والتّمكين من انتقال السِّلع والأيدي العاملة ورأس المال، دون عراقيل، وفق الشروط التي تنصّ عليها اتفاقية باريس الاقتصادية، من شأنها كذلك أن تُحسِّن بصورة حاسمة آفاق نمو الاقتصاد الفلسطيني'.

وأشار التقرير الى انه ' يَتعيّنُ على السُّلطة الفلسطينية الاستمرار في الإصلاحات التي تُدخلها على إيراداتها ونفقاتها بهدف تحسين الاستدامة المالية، وتقديم خدمات ذات جودة عالية حتّى في ظلّ السِّيناريو السّياسيّ الراهن. فقد حقّقت السلطة الفلسطينية تقدّماً طيّباً جدّاً على صعيد خفض العجز المالي، وقد أطلقت في الآونة الآخيرة بعض المبادرات الإصلاحية في هذا المجال. كذلك فان السلطة الفلسطينية قادره، من خلال الاستمرار في الاصلاحات، على تجنّب حدوث أزمات في المالية العامة، والتّوقّف عن تمويل موازناتها عن طريق مراكمة المتأخرات لصالح القطاع الخاص. وهذه الاصلاحات من شأنها ان تضع الوضع المالي للسلطة على أساس مستدام، وأيضاً أن تُنشئ حيّزاً كافياً في المالية العامة لزيادة المستوى الحالي المنخفض جداً للاستثمار في البنى التّحية العامة، ولتعزيز عملية تقديم الخدمات. ويجب أن يأتي خفضُ فاتورة الأجور على رأس سُلَّم أولويات السُّلطة، الأمرُ الذي يُمكن أن يؤدِّي إلى تحقيق وفورات ضخمة تبلغ في حدِّها الأقصى 5 نقاط مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، ولكن ثمّة مُتّسَعٌ جوهري كذلك لتحقيق وفورات في الكلفة، على صعيد فئات أخرى من الإنفاق، إلى جانب زيادة الإيرادات الضريبية إلى مستوىً يتجاوز ما تمّ تحقيقه بالفعل. وثمّة أيضاً احتمالية أُخرى تتمثّلُ في زيادة حجم الجباية الضريبية، زيادةً جوهريّة، في قطاع غزة حالما تتولّى السلطة الفلسطينية مهمّات الجباية الضريبية هناك. ومع أنّ النّفقات الكُّلية ليست مُرتفعةً كثيراً ضمن بعض القطاعات، مقارنةً ببلدان أُخرى، إلا أنّ الحصول على تلك الخدمات العامة، ومدى جودتها يعتبرُ أدنى إلى حدٍّ كبير من المستوى الذي ربما تبلغه فيما لو تمّ ترتيب أولويات بعض النّفقات العامة بشكل أفضل، وتمت إدارتها بدرجة من الكفاءة أكبر

وعلى سبيل المثال، فقد حقّقت السلطة الفلسطينية، في الآونة الأخيرة، تقدّماً طيّباً جداً في إصلاح عملية التحويلات  الصّحّيّة الى خارج القطاع العام، ولكن جوانب كبيرة من القصور، الذي يتعلّق بالإنفاق على الصحة العامة، ما زالت قائمةً. ويُمكنُ لتقليص جوانب القصور تلك أن يُنتِجَ وفورات ينبغي استعمالها لتحقيق المزيد من خفض العجز، أو بدلاً عن ذلك، استثمارها في برامج سوف تُحسِّن جودة خدمات الصحة العامة. وتُوجَدُ، حسب التّفاصيل التي وردت في متن هذا التقرير، قضايا مماثلة لتلك القضية في عدد من مجالات إدارة الإنفاق الأخرى، ويقتضي الوضعُ الدّعوةَ بصورة عاجلة إلى إجراء المزيد من الإصلاحات المكثّفة لمعالجة تلك القضايا'.

وفي سياق توصياته، أوصى تقرير المراقبة الاقتصادية، المانحين زيادةَ المعونات التي يقدّمونها إلى السلطة الفلسطينية، إلى أن تنطلق استثمارات القطاع الخاص الفلسطيني؛ وذلك نظراً لأنّ الفجوة التّمويلية في موازنة السلطة الفلسطينية لا يُمكِن سدّها من خلال الإصلاحات وحدها. فرغمَ أنّ السلطة الفلسطينية استطاعت تخفيض العجز في الموازنة، فلا تزال لدى السلطة فجوةٌ تمويليّة كبيرة في موازنتها لعام 2015، ومن المحتمل استمرار الموازنة في مراكمة متأخرات القطاع الخاص. ومع أنّه لا بُدّ للسلطة الفلسطينية من بذل المزيد من جهود الإصلاح لكي تُخفِّض العجز في موازنة 2015 بما يتماشى مع توصيات صندوق النقد الدولي، إلا أن الجهات المانحة مدعوّة إلى تعزيز دعمها لموازنة 2015، نظراً لأنّه من غير المعقول توقُّع إمكانية سدّ هذه الفجوة بتنفيذ الإصلاحات وحدها. فحتّى لو استطاعت السلطة الفلسطينية سدّ الفجوة في تمويل موازنة 2015، بصورة تامّة، فإنّ مثل هذا التّصحيح الحادّ لأوضاع المالية العامة سوف يُلحق ضرراً خطيراً بالنّمو. وبناءً على ذلك، فإنّ تصحيح الأوضاع المالية العامة ينبغي أن يحدث تدريجيّاً على مدى سنتين إلى ثلاث سنوات. وعندها يجب أن تكون الجهات المانحة قادرة على توجيه حصة أكبر من أموالها إلى الاستثمارات العامة في البنية التحتية، وهي مطلوبةٌ لتحفيز استثمارات القطاع الخاص، وتحسين جودة الخدمات العامة كليهما. وعِلاوةً على ذلك، فإنّ تمويلَ الانتعاش الاجتماعي الاقتصادي في قطاع غزة، في أعقاب الحرب التي دارت في العام الماضي، يعتمدُ برمّته تقريباً على معونات المانحين.

في الختام، فإن البُطء في صرف المعونات، والقيود المفروضة على الواردات تؤخِّر عملية إعادة إعمار قطاع غزة، ويجب التّعجيل في التّعامل مع كلتا المسألتين. فمن ما مجموعه (3.5) مليار دولار أمريكي، وهو مجموع المبالغ التي تمّ التّعهّد بالمساهمة بها في مؤتمر القاهرة لإعمار غزة، جرى صرف ما مجموعة (1.23) مليار دولار أمريكي حتى الآن، ما يجعل نسبة الصرف تبلغ مستوى 35 في المئة. وتقلّ المبالغ المنصرفة بمقدار (881) مليون دولار أمريكي عمّا تمّ التّخطيط له أصلاً؛ ويُعزى ذلك النقص، في جزء رئيسي منه، إلى أنّ مقدار المبالغ التي سدّدها كبار المانحين لا يزال أدنى مما هو مُنْتَظَرٌ منهم. وقد دعمت أغلبيةُ المبالغ المنصرفة، حتى تاريخ إعداد هذا الملخَّص، نشاطات وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، فيما استخدم أقل من نسبة 20 في المئة منها فقط لتمويل التّدخلات التي حدّدها تقرير تقييم الأضرار والاحتياجات (DNA).كذلك يستمرّ انسيابُ المواد الإنشائية التي يجري استيرادها إلى قطاع غزة بمستوىً أدنى من الحاجة إليها، حتى وإن كانت قد ازدادت في الآونة الأخيرة. فقد دخل قطاع غزة، في الفترة ما بين آب / أغسطس 2014 وآب / أغسطس 2015، ما مجموعه (1.6) مليون طن من المواد الإنشائية، وهو ما يُمثّل نسبة 6.7 في المئة من إجمالي الحاجة إليها.   ولا يزال ثمّة تأخيرٌ في وضع اللّمسات الأخيرة على المسار السّكنيّ لآلية إعادة إعمار غزّة (GRM)، الأمر الذي يعني، أنّ المنازل التي دُمّرت تدميراً تامّاً لم يتمّ بَعْدُ إعادة بنائها، بعد عام من انتهاء الحرب، حتى وإن تحقّق تقدّمٌ جيد على صعيد المنازل التي تعرّضت لدمار جزئي.