المحطة الثامنة: انتفاضة لأقصى الثانية والحصار في رام الله

الخميس 05 يوليو 2018 11:53 م بتوقيت القدس المحتلة

مقاطعة2

الانتفاضة الثانية

بعد فشل قمة كامب ديفيد ضاعفت إسرائيل من حملاتها على ياسر عرفات،ومع ذلك أصرعرفات على مواصلة المفاوضات .. وتواصلت فعلا في القدس وتل ابيب دون تسجيل اي تقدم.

وفي هذه الأثناء دخل زعيم الليكود ارئيل شارون مرة أخرى على الخط...قرر زيارة الحرم القدسي الشريف فسارع عرفات إلى تحذيررئيس الوزراء باراك من خطورة السماح باتمام الزيارة وما قد يترتب عليها من تفجر للأوضاع.  لكن نصيحة عرفات لم تلق أذنا صاغية في إسرائيل.نفذ شارون زيارته يوم 28أيلول/سبتمبرتحت حراسة نحو ثلاثة الاف من قوات الأمن الإسرائيلية.. ونجح في استفزازالفلسطينيين الذين رفضوا الزيارة وخرجوا في تظاهرات واسعة جوبهت بقمع وحشي من القوات الإسرائيلية ما أسفرعن سقوط شهداء وجرحى... وبذلك اندلعت الانتفاضة الشعبية الثانية وليدخل الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي مرحلة جديدة.

تفاقم العنف واتسع نطاق المواجهات.. تدهور الموقف  كثيرا،وقدم باراك استقالته من منصب رئيس الوزراء يوم 9كانون الأول/ ديسمبر 2000 بعد أن تدهورت شعبيته إلى الحضيض. لقد فشل في تحقيق السلام مع الفلسطينيين وفشل في قمع ووققف الانتفاضة .

في الوقت ذاته كان الرئيس الاميركي بيل كلينون راغبا في تحقيق "إنجاز" سلمي في الشرق الاوسط قبل مغادرته البيت الابيض المقررة بعد نحو شهر في كانون الثاني/يناير 2001،ولهذا جمع الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي ليقدم "اقتراحات جديدة" ،لكن عرفات رأى فيها نسخة قريبة من المطالب الإسرائيلية خاصة فيما يتعلق بالمسجد الاقصى والقدس ،ولم يعجبه الغموض الكبير الذي اكتنفها فرفضها.

وجرت محاولة أكثر جدية  للتوصل إلى اتفاق فلسطيني إسرائيلي يوم 21كانون الثاني/يناير 2001في محادثات عقدت في طابا التي حققت تقدما لكنها لم تفض إلى نتيجة نهائية.وبعد أسبوعين جرت الانتخابات العامة في إسرائيل يوم 6شباط/فبراير ليسقط باراك وليصعد إلى سدة الحكم ارئيل شارون .

كان عرفات يدرك تماما من هو شارون..صاحب التاريخ الموغل في دماء الفلسطينيين، ولهذا أعلن استعداده للتعامل مع أي رئيس حكومة يختاره الإسرائيليون حتى لو كان شارون.وفي الوقت ذاته كان  عرفات  يؤكد لمساعديه وللمسؤولين الفلسطينيين ضرورة الاستعداد لمواجهة احتمال إقدام الجنرال شارون على اجتياح الأراضي الفلسطينية.

 بعد توليه الحكم في إسرائيل  أعلن شارون في مكالمته الهاتفية الأولى مع ياسر عرفات انه"يجدر التقدم في عملية السلام "ولكنه كان بهذا الشعار يسعى"فقط" لإدخال حزب العمل بزعامة شمعون بيريس في حكومة ائتلاف وطني يستطيع من خلالها تحقيق خطته الحقيقية: زيادة الاستيطان في الأراضي المحتلة ،نسف اتفاقيات أوسلو، تدمير السلطة الفلسطينية وإزالة "عدوه الأكبر"ياسر عرفات .  

 وعد شارون الإسرائيليين بإنهاء الانتفاضة خلال 100يوم .. اشتد قمع الانتفاضة أكثر وأكثر، وازدادت توغلات القوات الإسرائيلية داخل مناطق السلطة الفلسطينية. استُخدمت الطائرات والدبابات في الاعتداءات الإسرائيلية وفي الرد على العمليات الفلسطينية ، دون أي تمييز بينها ــ سواء قام بها إسلاميون، أو وطنيون، أو منظمات يسارية، وسواء وقعت في إسرائيل أو في المناطق الفلسطينية، وسواء كان القتلى والجلرحى  من المدنيين أو العسكريين أو المستوطنين ــ  ووُصفت جميعها بأعمال إرهابية يديرها عرفات .

كان شارون يدير حملة  منهجية لإلصاق صفة الإرهاب بياسر عرفات، وقررت إسرائيل اعتبار السلطة الفلسطينية  بقيادة عرفات" كيانا إرهابيا".ووجد شارون أذنا صاغية جدا لدى الساكن الجديد في البيت الأبيض "الرئيس جورج دبليو بوش"وأقنعه في لقائهما الأول أن "عرفات مفتاح الإرهاب"..فدعا بوش عرفات إلى "التحدث بقوة وعلنا،وبلغة الفلسطينيين،لإدانة العنف والإرهابيين،واعتقال المسؤولين عن الأعمال الإرهابية ".

تجنب الرئيس الأميركي الجديد الالتقاء بعرفات وكان شارون يجد كل الدعم من بوش في مواجهة عرفات ...

ومع ذلك أوفد شارون نجله "عمري" ومسؤولين إسرائيليين إلى رام الله للتباحث "سرا "مع عرفات،وفي الجوهر كان شارون ـ وفقا لما قالته صحيفة هآرتس الإسرائيلية ـ مصمما على "استسلام ياسر عرفات بدون شروط".

لم يتوقف التدهور عند حد معين .. واصل شارون بطشه الشديد بالفلسطينيين .. وردت التنظيمات الفلسطينية بعمليات واسعة ،وكانت اسرائيل تحمل عرفات شخصيا مسؤوليتها رغم اداناته المستمرة لقتل الأبرياء فلسطينيين وإسرائيليين.وزاد تفاقم الموقف بعد اغتيال إسرائيل لزعيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"أبو علي مصطفى"يوم 27آب/اغسطس  2001في مكتبه برام الله لترد الجبهة الشعبية باغتيال  وزير السياحة الإسرائيلي  "رحبعام زئيفي" يوم 17تشرين الأول/اكتوبر في فندق بالقدس الشرقية المحتلة.سارعت إسرائيل أيضا إلى تحميل عرفات المسؤولية ووصفه شارون بانه" بن لادن"إسرائيل  مستغلا الأجواء الأميركية و العالمية الجديدة التي خلقتها هجمات تنظيم القاعدة بزعامة أسامة بن لادن على برجي مركز التجارة العالمي في  نيويورك ووزارة الدفاع الأميركية "البنتاغون" في واشنطن  يوم 11أيلول/سبتمبر2001.

ومع أن عرفات سارع إلى إدانة الهجمات بأشد العبارات إلا أن  الحملة الأسرائيلية لوصمه بالإرهاب كانت تجد اصداء واسعة لدى الإدارة الأميركية،حتى أن بول وولفيتز نائب وزير الدفاع الاميركي قال: إسرائيل هي حاملة طائرات صديقة وعرفات إرهابي معاد،وأعلن نائب الرئيس الأميركي، ديك تشيني، أنه يؤيد قطع العلاقات مع عرفات ومنظمة التحرير الفلسطينية".

كان عرفات يدرك تماما سياسة إسرائيل في استغلال الذرائع ،وكان  يقول لرجاله: حتى في حالة الدفاع عن النفس، يجب ألا تعطوا لشارون ذريعة لاستغلال الـمعطيات الجديدة في العالم ضد الفلسطينيين .

ورغم  العداء الواضح تجاه عرفات كانت واشنطن تدرك" ضرورة" إقامة دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل. وفي 10 تشرين الثاني/نوفمبر ، وأمام الجمعية العامة للأمم الـمتحدة، أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش عن تأييده لوجود دولتين تتعايشان جنبا إلى جنب داخل حدود آمنة ومعترف بها، طبقا للقرارات الدولية. مؤكدا أن الولايات الـمتحدة سوف تبذل كل جهدها من أجل عودة الطرفين إلى مائدة الـمفاوضات.

ومع ذلك أصر بوش على تجنب اللقاءبعرفات،الذي كان حاضرا في مقر الأمم الـمتحدة وقت الخطاب، والذي اضطر للاكتفاء بلقاء مع وزير الخارجية الاميركية كولن باول.

وفي اليوم التالي،ألقى عرفات كلـمة فلسطين أمام الجمعية العامة،وأعلن عن وقف إطلاق النار من طرف واحد، مؤكدا أنه سيبذل ما بوسعه من أجل الـمحافظة عليه. وأضاف:إن إقامة دولة فلسطينية مستقلة والقدس عاصمة لها هو صمام الأمان، ودعامة رئيسية للاستقرار في الـمنطقة. وأكد أن الشعب الفلسطيني قد اختار السلام كخيار استراتيجي لا رجعة عنه.لكن دعوات عرفات لم تجد صدى لها عند شارون أو بوش.

الحصار في رام الله

شعر شارون بأن المعطيات الأميركية والعالمية الجديدة  تعطيه الفرصة ـ التي  يتوجب عليه استغلالهاـ لإكمال مخططه ضد عرفات. فأعلنت إسرائيل يوم  8/12/2001 أن قرار مغادرة الرئيس عرفات لمدينة رام الله خاضع لها وحدها ،لتبدأ  مرحلة محاصرة الزعيم الفلسطيني في رام الله . وبعد خمسة أيام  في 13/12/2001 تحركت أليات عسكرية إسرائيلية بينها دبابات حول  مقر الرئيس عرفات، وقرر شارون  منعه من الخروج إلى أية مدينة أخرى، وفي ذات الوقت قصفت الطائرات الإسرائيلية  مقر الرئاسة في "المنتدى" بغزة .ولأول مرة منذ قيام السلطة الوطنية منع عرفـات من التوجه إلى مدينة بيت لحم لحضور احتفالات عيد الميلاد في 24ـ 25/12/2001.
ثم بدأ حصار مقر  عرفـات يأخذ شكلاً تصعيدياً وبدأت الدبابات  تقترب  من المقاطعة في رام الله  ثم تنسحب لتعود إليها بعد ساعات، وظل  عرفـات  كعادته يستقبل كبار الزوار والوفود الدولية والمساعدين والمواطنين في مقره المحاصر. 
وفي 26/3/2002 عقدت القمة العربية في بيروت  دون أن يتمكن عرفات من حضورها لأن شارون هدد بأنه لن يسمح له بالعودة إلى الأراضي الفلسطينية .
وأقرت القمة  المبادرة السعودية التي أصبحت رسميا المبادرة العربية للسلام والتي تعرب عن الاستعداد العربي لإقامة علاقات عادية مع إسرائيل بعد إنسحابها الكامل من الاراضي العربيةالمحتلة وإقامة الدولة الفلسطينية. ورد شارون  على المبادرة  بطريقته الخاصةـ لا سيما وأن الرئيس اللبناني اميل لحود رئيس القمة رفض قيام عرفات بمخاطبة القمة" تلفزيونيا" ـ فبعد سـاعات من انتـهاء القمـة العربيـة  وفي 28 آذار/مارس 2002، أمرَ شارون بإطلاق عملية  "السور الواقي" في كافة أنحاء الضفة الغربية، وقال: من اليوم فصاعدا، تعتبر إسرائيل عرفات، الذي يترأس منظمة إرهابية، عدوا لها،وأضاف أنه يعتزم عزل عرفات كليا في مقره وملاحقة السلطة الفلسطينية في كل مناطقها،واعداً بأن تكون العمليات على نطاق لا سابق له .

برر شارون قراره في تصريح قصير متلفز، قال فيه:  دولة إسرائيل هي الآن في حالة حرب، حرب ضد الإرهاب . إن رئيس السلطة الفلسطينية عدو لإسرائيل وعدو للعالـم الحر. عرفات عقبة أمام السلام في الشرق الأوسط وخطر على استقرار الـمنطقة كلها."

 وكان الهدف الأول لهذه العملية الكبيرة : مقرياسر عرفات رئيس السلطة الفلسطينية في المقاطعة برام الله. وفي ليلة  28 /29 آذار/مارس 2002، اجتاحت القوات الإسرائيلية مدينة رام الله بالكامل واحتلت كافة مباني الـمقاطعة تقريباً بعد أن هدمت سورها الخارجي. استخدم الجيش الإسرائيلي درعا بشريا من العشرات من سكان الـمدينة ليحمي تقدمه،واستشهد في الساعات الأولى للاجتياح  ستة فلسطينيين.

وعند الساعة الخامسة صباح 29آذار/مارس حاصرت القوات الإسرائيلية عرفات ومعه480 شخصا داخل المقاطعة وبدأ الجنود والآليات العسكرية الإسرائيليةبإطلاق النار والقذائف في جميع الاتجاهات ،وأكد شارون ان العملية ضد عرفات ستستمر .

ومن مقره المحاصر و الذي قطعت عنه الـماء والكهرباء، قال عرفات معلقاً: هذا هو الرد الإسرائيلي على القمة العربية التي تبنت مشروع سلام. إسرائيل تريدني سجينا، أوقتيلا أو أسيرا. أقول لهم: لا، سأكون شهيدا، شهيدا، شهيدا!  ...  هل حياتي أغلى من حياة مواطن فلسطيني بسيط، أو من حياة طفل فلسطيني؟  ووجّه نداءً إلى الشعوب العربية والإسلامية وإلى كل الـمسيحيين في العالـم أجمع قال فيه:  يجب الدفاع عن الأرض الـمقدسة!

وفي اليوم التالي  هددت  القوات الإسرائيلية عبر مكبرات الصوت بقصف المقاطعة اذا لم يسلم "الـمطلوبون  داخل الـمقر أنفسهم خلال ربع ساعة."

أطلقت  الدبابات الإسرائيلية  النار من وقت  لآخر على مباني الـمقاطعة،وفجأة وسط هدير مروحيات الأباتشي ، انهمرت القذائف وزخات الرصاص على مقر عرفات بغزارة، غير أنه  خرج سالـماً، بينما جرح ثلاثة من حراسه، كانوا في غرفة مجاورة.

وقال آرئيل شارون:" أريد أن أقول لكم أنه في هذه اللحظات تتواجد قوات جيش الدفاع الإسرائيلي في مقر المقاطعة مركز سلطة عرفات في رام الله، إسرائيل ستعمل على إخضاع المسؤول عن الإرهاب الفلسطيني، عرفات الذي شكل ائتلافا إرهابيا ضد إسرائيل هو عدو وفي هذه المرحلة سيتم عزله."

عاش عرفات ظروفا صعبة داخل المقر المحاصر ، طلقات وقذائف بين الحين والآخر..تشويش مستمر وانقطاع للماء والكهرباء ونقص في الغذاء وحتى نقص في الهواء بسبب الاكتظاظ.

أصر عرفات على ألا يميزوه عن باقي المحاصرين معه  بشيء: كان ينام كما ينام الآخرون ..على فرشة خفيفة تفرش على الأرض مباشرة. وفي اليوم العاشر فقط سمح الجيش الإسرائيلي للهلال الأحمر الفلسطيني بإدخال أول دفعة غذاء.  

 و حرص الـمقربون من عرفات  على أن يتناول الرئيس خضارا لأسباب طبية، وتمكنوا من الحصول على أدويته الضرورية. بعد ثلاثة أسابيع من بداية الحصار خضع عرفات لفحص طبي على يد طبيبه الخاص، الدكتور أشرف الكردي، الذي جاء برفقة وزير الخارجية الأردني مروان الـمعشر لزيارة عرفات. وبعد إجراء فحص كامل، أكد أن عرفات، الذي نحف مثله مثل الآخرين، بصحة جيدة ومعنوياته مرتفعة جدا، وأن جهازه العصبي يعمل جيدا، رغم ما يعانيه من نقص في النوم. وأضاف الطبيب: يمكن لصحة الرئيس أن تتدهور، بسبب  نقص الأوكسجين في الـمبنى الـمغلق .

كان شارون يسمح بزيارة الرئيس في الحالات النادرة. وهكذا، بطلب من الـمبعوث الأميركي أنتوني زيني، تمكن  عدد من  مساعدي عرفات من الدخول إلى الـمقاطعة، وكذلك الأمر بالنسبة لـميغيل أنخيل موراتينوس المبعوث الاوروبي لعملية السلام  وخافيير سولانا المفوض الأعلى للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي .  

في 17 /4/2002 ، اجتمع كولن باول وزير الخارجية الاميركي  مع عرفات داخل مقره المحاصر لـمدة ثلاث ساعات لـم تسفر، وفق ما صرح به عرفات نفسه، عن أي مخرج للنزاع. غير أن عرفات أكد لباول، وبكلـمات شديدة الوضوح، أنه في حال اقتحام الإسرائيليين للـمقر فسيموت شهيداً ولن يسمح لهم باعتقاله أو طرده. عُـقد اجتماع آخر بينهما  بعد ثلاثة أيام،وانتهى  بلا نتيجة هو الآخر. غضب عرفات، وقال للمقربين منه:  باول يتحدث معي كأنه مبعوث لشارون. أمن، أمن... لإسرائيل بالطبع. أنا هنا محاصر، والـمناطق الفلسطينية كلها مطوقة وتتعرض لهجوم. رجال ونساء يقتلون يوميا، وجيش الاحتلال يدمر ويخرب. ولا يتحدثون إلا عن أمن إسرائيل! .

وغداة هذا اللقاء، وصف بوش رئيس الوزراء الإسرائيلي بأنه "رجل سلام"، متهماً عرفات بأنه الـمسؤول الوحيد عن الوضع الذي هو فيه.

أما في العالـم العربي، فقد ارتفعت مكانة عرفات بشكل كبير بسبب العزل والحصار الذي فرضه عليه شارون، كما كان الحال أثناء  حصاره في بيروت وفي طرابلس .ووصفه صحافي مصري بارز بأنه  "شهيد لا يزال على قيد الحياة." وتضاعفت مظاهرات التأييد له من الـمغرب حتى العراق . وفي الجانب الفلسطيني ارتفعت شعبيته مجددا إلى أعلى المستويات و سانده الجميع ، بدءاً من الشيخ أحمد ياسينإلى  الـمعارضين اليساريين. حتى  أن إدوارد سعيد، الذي ابتعد كثيرا عن عرفات وجافاه لـمدة طويلة، قال : في هذه اللحظة، نحن جميعا وراء عرفات .  

واصلت قوات الاحتلال الإسرائيلي تدمير الـمباني داخل الـمقاطعة . وعبر مجلس الأمن الدولي التابع للأمم الـمتحدة عن  قلقه الشديد على سلامة الرئيس عرفات. ولكن في اليوم نفسه، أقام الجيش الإسرائيلي حول مقر الرئيس سياجا ثلاثيا من الأسلاك الشائكة، وعززه  بجدار من حطام السيارات والأنقاض وأكياس الرمل. وأحاطت الدبابات الإسرائيلية بالـمبنيين (الـمتصلين ببعضهما بجسر) حيث يوجد الـمحاصرون، مصوبة مدافعها إلى نوافذهما. في ذلك الوقت، ناشد وزير الخارجية السعودي، سعود الفيصل، الإدارة الأميركية أن تعمل على رفع الحصار.

وكبادرة لحسن النية، بعث عرفات برسالة إلى الحكومة الأميركية يقول فيها أن الأشخاص الـمطلوبين لإسرائيل  بقضية مقتل رحبعام زئيف سيجري التحقيق معهم وتقديمهم للـمحاكمة في رام الله. وفي اليوم ذاته، اعتقلت قوى الأمن الفلسطينية الـمشتبه بهم ونقلوا من نابلس إلى رام الله، بتنسيق وثيق مع  الاتحاد الأوروبي  والولايات الـمتحدة. جرت الـمحاكمة في الـمقاطعة أمام ثلاثة ضباط من الـمحكمة العسكرية الفلسطينية، وحُكم الـمتهمون الثلاثة بالحبس لـمدة ثمانية عشر عاما لـمشاركتهم في الـمسؤولية عن مقتل الوزير الإسرائيلي. كانت محاكمة هؤلاء الرجال هي أحد الشروط التي فرضها شارون لرفع الحصار عن الـمقاطعة. ومع ذلك عمدت إسرائيل إلى تجاهل الـمحاكمة في رام الله وما لبثت أن طالبت بتسليمها الـمتهمين لتقديمهم إلى الـمحاكمة في إسرائيل.

وبعد ضغوط من ولي العهد السعودي الامير عبد الله بن عبد العزيز  طلب الرئيس الأميركي جورج بوش من شارون رفع الحصار عن عرفات لكن شارون ماطل واضطر للاستجابة بعد تهديد مستشارة الأمن القومي الأميركي كوندوليزا رايس لشارون بعواقب رفض طلب بوش ،فانسحب الجيش الإسرائيلي من المقاطعة ليلة 1 /2 ايار/مايو 2002بعد تفجير آخر مبنى فيها . ووصف  عرفات حينها   الجنود الاسرائيليين بأنهم  "ارهابيون " و"نازيون".

لم يكن رفع الحصار كاملا فقد حظر شارون على عرفات مغادرة الأراضي الفلسطينية إلا إذا قرر عدم العودة اليها.

وبعد شهر تقريبا اجتاح الجيش الإسرائيلي رام الله مجددا إثر عملية "مجدو" التي تبنتها حركة" الجهاد "يوم 5حزيران/يونيو 2002 وهاجم  الجيش الإسرائيلي مقر عرفات بوحشية، ولم تسلم من الرصاص غرفة عرفات الذي لم يصب بأذى لكن أحد حراسه استشهد وأصيب سبعة آخرون .

كانت ضغوط شارون على عرفات تتم بمعرفة بوش وفريق الصقور في إدارته :نائبه ديك تشيني ووزير الدفاع دونالد رامسفيلد ونائبه بول وولفيتز.وهكذا وجد عرفات نفسه يوم 24 من نفس الشهر أمام حرب  صريحة من بوش عليه:فقد طلب بوش في خطابه في ذلك اليوم  تشكيل قيادة فلسطينية جديدة ومختلفة  ..ما فسره المراقبون على انه دعوة  إلى رحيل عرفات عن منصبه .. وجاء رد عرفات في اليوم التالي "الفلسطينيون وحدهم" هم أصحاب الحق في اختيار قادتهم .

لم يكن العالم يشارك شارون وبوش وجهة نظرهما بشان عرفات وبعد يومين من خطاب بوش، وفي قمة مجموعة الثماني الكبار في كندا قال الرئيس الفرنسي جاك شيراك:عرفات انتخب ديمقراطيا من قبل الشعب الفلسطيني والذي يعود اليه وحده اختيار ممثليه.

كذلك رفض الاوروبيون واليابان والامم المتحدة الموقف الأميركي من عرفات ،وقال الرئيس المصري حسني مبارك:عرفات هو الوحيد الذي يتمتع بدعم الشعب الفلسطيني وبدون عرفات لن تتقدم عملية السلام ،وإن تنحيته ستخلق الفوضى.

وعلى الأرض تدهورت الأوضاع أكثر ، وأفشل شارون بزيادته لعنف وحجم ووحشية العمليات العسكرية مساعي عرفات على الجانب الفلسطيني لإعلان وقف للنار من جانب واحد .وفي19 أيلول/سبتمبر 2002 وللمرة الثالثة احتل الجيش الإسرائيلي المقاطعة لمدة ستة ايام وقصف مبنى الرئيس بالمدفعية ..زادت إسرائيل من ضغوطها وطلبت من عرفات تسليم 20 من" المطلوبين" لهاوالذين كانوا داخل المقاطعة فرفض عرفات،أصدر  قائد القوة المحاصرة للمقاطعة أمرا بإخلا المقر فورا محذرا بأن انفجارا هائلا سيقع في المقاطعة ،وطلب من سكان المنطقة المحيطة بالمقاطعة مغادرة بيوتهم ..وفجأة انفجر غضب المواطنين وتحدى الالاف من سكان رام الله والبيرة ومخيمات وقرى المنطقة حظر التجول وتوجهوا في تظاهرات حاشدة نحو مقر عرفات، فتحت قوات الاحتلال نيرانها فقتلت اثنين من المتظاهرين وجرحت العشرات ،واصل المتظاهرون  طريقهم وهم يهتفون تأييدا لعرفات .وانتشرت التظاهرات ليخرج عشرات الاف في مدن الضفة الغربية وقطاع غزة دعما للرئيس المحاصر والصامد.وامتدت التظاهرات إلى خارج الأرض المحتلة خاصة في مخيمات اللجوء في لبنان . خرج عرفات لتحية الجماهير أمام مقره المدمر وقادهم في هتافه"على القدس رايحين شهداء بالملايين ".

إسرائيل :كيف نتخلص من عرفات؟

شهد عام 2003 تزايد ضغوط شارون على عرفات أيضا ، على أمل أن ينكسر الزعيم الفلسطيني، فيستقيل أو يغادر البلاد.

وكانت العبارة ذاتها  تتكرر بعد كل عملية تقع في إسرائيل: رئيس السلطة الفلسطينية هو الـمسؤول، ولا بد من تنحيته عن الـمسرح السياسي. أما عرفات فقد اختار أن يبقى في الـمقاطعة التي دمرت معظمها، خوفاً من أن يستغل الجيش الإسرائيلي غيابه ليحتل الـمبنى، ويعتقل مَن فيه، وينهب وثائقه، بل وربما يدمّرما تبقى منه. ومارس عرفات عمله في مكتب سيئ التهوية،وقد استحال عليه الخروج منه إلى الباحة الخارجية. اضطر الـمجلس التشريعي إلى عقد اجتماعاته في الـمقاطعة، وليس في مقرّه الرسمي في رام الله، الذي لـم يُصب بأذى، لكي يتمكن عرفات  من حضور جلساته.

كانت الظروف  القاسية التي عاشها عرفات في المقاطعة قد تركت عواقبها على صحة الزعيم الفلسطيني، ففي تشرين الأول/اكتوبر أُصيب بالتهاب في الـمعدة، شفي منه بسرعة، ولكن التكهنات الإسرائيلية بقرب نهايته تواترت : في تشرين الثاني/نوفمبر 2002، توقع رئيس الـموساد الـمستقيل  إفرايم هاليفي" اختفاء عرفات " بطريقة أو بأخرى "عن الـمسرح خلال عام 2003 . و توقع الرجل الأول في الـمخابرات العسكرية الإسرائيلية  أن  "يتبخّر" عرفات قبل نهاية عام 2003، كان الفلسطينيون يعرفون أن الإسرائيليين يريدون التخلص من عرفات.  وكان شارون أقدم في أيلول/سبتمبر 2002 على خطوة ذات مغزى خاص تمثلت في تعيين الجنرال الاحتياط الرهيب" مائير داغان" رئيساً للـموساد. وهو أخصائي في "التصفيات"، قاد منذ 1970 وحدة الكوماندوس الخاصة  "ريمون"، التي وضعت تحت إشراف شارون ــ قائد الـمنطقة الجنوبية للبلاد في ذلك الوقت ــ  وهي وحدة مكلفة باغتيال الفلسطينيين"الـمطلوبين بتهمة الإرهاب".  

تزايد التدهور في الـمناطق الفلسطينية بسبب الإجراءات التعسفية التي فرضها الجيش الإسرائيلي على السكان الـمدنيين بعدأن كانت القوات الإسرائيلية قد أعادت احتلال الضفة الغربية ، وبدأت سلسلة من التوغلات العسكرية  الـمنتظمة في قطاع غزة. وواصلت الحكومة سياسة توسيع الـمستوطنات وبناء الجدار الذي  يضم  بحكم الأمر الواقع مساحات واسعة  من الأراضي الفلسطينية إلى إسرائيل، ويعزل عشرات الالاف من الفلسطينيين في الضفة الغربية .  

وفي نفس الوقت شنت إسرائيل وواشنطن حملة مكثفة لفرض تغييرات سمتها " إصلاحات" على السلطة الفلسطينية تتضمن إقصاء عرفات فعليا. ومن هذه الإصلاحات استحداث منصب رئيس وزراء تعود إليه مسؤولية الأمن.  وتحويل عرفات بموجب هذه الإصلاحات إلى رئيس بدون صلاحيات، وتحويل السلطات الحقيقية إلى رئيس الوزراء.واتهمت إسرائيل عرفات باستخدام أموال الدعم الأوروبي وهي الأكبر من بين معونات الدول الـمانحة، لشراء أسلحة والإنفاق على مجموعات إرهابية لكن الاتحاد الأوروبي أعلن" بعد إجراء تحقيق نزيه:"لـم نجد أي دليل على أن أموال الاتحاد الأوروبي قد استخدمت لأغراض غير تلك التي اتفق حولها الاتحاد الأوروبي مع السلطة الفلسطينية ".      

لـم يكن استحداث منصب رئيس وزراء مطلباً أميركياً فقط، بل إن اللجنة الـمركزية لحركة "فتح" كانت قد طرحته في اجتماعها يوم 8 آب/أغسطس2002 برئاسة عرفات،واقترحت تعيين محمود عباس "أبو مازن" لهذا الـمنصب.

وفي إسرائيل ازدادت الأزمة السياسية الداخلية تفاقماً، فتم حل الكنيست وتقرر تنظيم انتخابات جديدة.

وافتتح نتنياهو الحملة الانتخابية الداخلية في حزب الليكود في 12 كانون الثاني/يناير 2003 بخطاب طرح فيه مجددا مسألة طرد عرفات: "لن يتحقق السلام إلا إذا تم إبعاد عرفات، إذا انتُخبتُ رئيسا للوزراء فسوف أطرده. إن هذا شرط لا غنى عنه للقضاء على الإرهاب." في اليوم التالي، عقد عرفات مؤتمرا صحافيا للرد عليه، وقال فيه :  ليكن في علـمه: أنا ياسر عرفات، من بيت الحسيني، وهي أسرة والدي، ووالد والدي، ووالد والد والدي، وأجدادي الأولين. وجميعهم، جيلا بعد جيل، هم من أهل هذه البلاد..أنا هنا على أرضي، وعلى أرض أجدادي."

ودعا الحزب القومي الديني الإسرائيلي، الأكثر قومية وتطرفا في معسكر الـمتدينيين، في حملته الانتخابية إلى طرد عرفات: سوف ترتاح إسرائيل في اليوم الذي يُبعد فيه عرفات وتنافست لوائح الـمهاجرين الروس فيما بينها في طرح الحجج الداعية لطرد الزعيم الفلسطيني.  

وحين عاود شارون هجومه على عرفات في حملته الانتخابية واصفا إياه مرة أخرى بـ "بن لادن"، قرر الزعيم الفلسطيني توضيح موقفه مرة أخرى في هذا الخصوص، فقال: ليكف عن تستره وراء القضية الفلسطينية. ما الذي يدعو بن لادن لأن يتحدث الآن عن فلسطين؟ إنه لـم يساعدنا في يوم من الأيام ..إن بن لادن ينشط في ميدان مختلف تماما عن ميداننا وهو يعمل ضد مصالحنا.   

وفي 28 كانون الثاني/يناير 2003، فاز حزب الليكود بقيادة شارون في الانتخابات وكرر عرفات استعداده ، للقاء شارون  لكن  الناطق الرسمي باسم الحكومة الإسرائيليةرد  قائلاً: عرفات هو خارج اللعبة ..

تواصلت الهجمات والعمليات العسكرية من كلا الجانبين موقعة مزيدا من الضحايا الـمدنيين، وذلك رغم نداءات عرفات، الذي كان يدرك أن تصاعد العنف يخدم قضية الليكود، ويخشى، من تجذر الرأي العام المعادي للسلام  في  إسرائيل.

وفي 10 آذار/مارس 2003وافق الـمجلس التشريعي الفلسطيني بأغلبية كبيرة على استحداث منصب رئيس الوزراء. قبل ذلك بيومين، كان الـمجلس الـمركزي لـمنظمة التحرير  قد أعطى موافقته. اقترح عرفات محمود عباس لرئاسة الحكومة مع احتفاظ عرفات  بالـمسؤولية عن قوى الأمن الأساسية، وكذلك عن ملف مفاوضات السلام مع إسرائيل، وأحال  مسؤولية الـماليةفي السلطة إلى الدكتورسلام فياض.

ومع ذلك، عبر  وزير الخارجية الاميركي كولن باول عن خيبته قائلا:العديد من السلطات ما زالت بين يدي عرفات.

في هذا الوقت انشغلت  الولايات الـمتحدة بالحرب على العراق والتي بدات في 20 آذار/مارس 2003.

واتخذ الرئيس الفلسطيني الـموقف ذاته الذي اتخذه العرب  من الحرب ووصفها بأنها انتهاك للشرعية الدولية وزعزعة لـمصداقية الأمم الـمتحدة .

في 23 نيسان/أبريل توصل عرفات مع محمود عباس إلى اتفاق حول تأليف الحكومة. وقال المبعوث الاوروبي ميغيل انخيل موراتينوس:" عرفات هو السلطة السياسية والـمعنوية للشعب الفلسطيني، ومن الـمؤكد أن قرار  الـموافقة على تأليف حكومة جديدة الذي اتخذه عرفات لا يشكل هزيمة له ...  لا يمكننا القول انه رجل من الـماضي".

وإذ ذاك  أعلن الرئيس الأميركي جورج بوش ، باسم اللجنة  الرباعية الدولية ، عن "خارطة الطريق"، التي تنص على إقامة دولة فلسطينية على مراحل، تكتمل في العام 2005. وافق عليها عرفات وحكومته بخطوطها العريضة، وفعلت الحكومة الإسرائيلية الشيء ذاته ولكن بشروط وتحفظات تنسفها.

 في 4 حزيران/يونيو ، اجتمع" أبو مازن" وشارون وجورج بوش والـملك عبد الله الثاني عاهل الاردن  في العقبة. كان ياسر عرفات يتابع الحدث على شاشة التلفزيون من الـمقاطعة، وسمع خطاب أبو مازن  الذي جرت عليه تعديلات كثيرة من قبل مختلف الـمعاونين، وكان موجها بالأساس إلى الأميركيين والإسرائيليين: ما من كلـمة واحدة عن عرفات، الـمستثنى والـمعزول. ما من كلـمة واحدة عن مسألة اللاجئين. ما من كلـمة واحدة  عن القدس. بالـمقابل، دعا أبو مازن الفلسطينيين إلى إنهاء  الانتفاضة الـمسلحة ، مؤكدا أن السلطة الفلسطينية اتخذت لنفسها  هدفا واضحا وهي تسعى لتحقيقة بحزم وبلا تهاون: الإنهاء التام للعنف والإرهاب .

واختار عرفات أن يدافع عن رئيس وزرائه وركز كل انتقاداته على خطاب شارون وحده، الذي لـم يقدم برأيه تنازلات حقيقية، ووقف عرفات في وجه أعضاء "فتح" الذين انتقدوا خطاب محمود عباس .

انتهز شارون التطورات السياسية الفلسطينية الداخلية ليعاود هجومه على عرفات من زاوية مختلفة هذه الـمرة. فقد ادعى أن رئيس الوزراء الفلسطيني لا يستطيع العمل بهدوء، وأن جهوده تتعرض للتخريب، وأن عرفات لا يزال العقبة الرئيسية "قبل الإسلاميين"، ــ على حد تعبير شارون ــ أمام كل محاولة للسلام...

وقال أحد الـمقربين من شارون : أبلغنا الأميركيين أنه إذا استمر عرفات في إضعاف محمود عباس ، فإن إسرائيل ستضطرإلى إعادة النظر في وضعه.وهكذا عادت التهديدات بطرد أو إزالة  الرئيس عرفات إلى الواجهة مرة أخرى .

وعندما أراد عرفات التوجه من رام الله إلى غزة للمشاركة في تشييع شقيقته يسرى التي توفيت في آب/أغسطس 2003أعلنت إسرائيل انها لن تسمح له بالعودة من غزة إلى الضفة الغربية،فامتنع عرفات عن مغادرة رام الله ولم يشارك في جنازة شقيقته. وبدا واضحا أن إسرائيل تواصل استهداف عرفات شخصيا .

تفاقم التصعيد الإسرائيلي على نحو خطير: وفي 6 تشرين الثاني/نوفمبر2003،أفلت الشيخ أحمد ياسين بأعجوبة  من قصف إسرائيلي على غزة.وطفح الكيل بمحمود عباس من الممارسات الإسرائيلية ،فقدم استقالته في اليوم ذاته ووافق عليها عرفات ليخلفه في الـمنصب أحمد قريع (أبو علاء ).

كانت إسرائيل قد اعلنت أن حكومتها الأمنية المصغرة وافقت يوم 13 أيلول /سبتمبر  مبدئيا على قرار " إزالة عرفات". كانت تلك الـمرة الأولى  التي تقرر فيها حكومة" إزالة"رئيس منتخب ديمقراطيا ،وأثار القرار شجبا دوليا واسعا وتسبّب في "عزلة دبلوماسية" لإسرائيل.

واستخدم الأميركيون حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن على قرار يدين القرار الإسرائيلي ، غير أن الجمعية العامة للأمم الـمتحدة أدانت إسرائيل بالإجماع تقريبا ، ودعت إسرائيل للعدول عن تنفيذ قرارها.

وكان  نائب رئيس الوزراء إيهود أولـمرت، صديق شارون وموضع ثقته صرح في وقت سابق "لـم يكن مستبعدا قتل عرفات". الشيء ذاته أكدته بلا تردد الصحيفة اليمينية "جيروزالـم بوست"، الـمقربة جدا من الحكومة، حيث جاء في افتتاحية لها يوم  11 تشرين الثاني/نوفمبر 2003: يجب أن نقتل ياسر عرفات، لأن العالـم لـم يدع لنا خيارا آخر".

إثر صدور قرار مجلس الوزراء الإسرائيلي، كشفت صحيفة" يديعوت أحرونوت "الإسرائيلية عن خطةإزالة عرفات و نسبتها إلى ضابط إسرائيلي .

وحين قرأ ياسر عرفات ترجمة المنشور عن خطط "إزالته"، تصرف بهدوء..وقال للصحافي الإسرائيلي الفرنسي اليهودي أمنون كابليوك: "دعهم يحيكون مؤامراتهم. أما أنا فسوف أكون حراً أو شهيداً."

خلال الأسبوع الأول من آذار/مارس 2004  حاصرت  قوات الاحتلال  المقاطعة مرتين في الوقت الذي كان فيه شارون يعد خطة الانفصال عن غزة وكان يتباحث مع الاميركيين بشأنها،وكانت قوات الاحتلال تنفذ هجمات واسعة خاصة في قطاع غزة ما اسفر عن سقوط عشرات الشهداء ومئات الجرحى ،فطالب عرفات يوم 11من الشهر نفسه اللجنة الرباعية الدولية بالتدخل" لوقف الجرائم الاسرائيلية التي لا يمكن القبول بها ".لكن إسرائيل ردت باغتيال مؤسس وزعيم حماس الشيخ أحمد ياسين يوم 22آذار/مارس ،وأكدعرفات بعد ذلك ان الشعب الفلسطيني لن يتخلى ولن يتراجع عن أهدافه ، فطالب في اليوم ذاته رئيس لجنة الخارجية والامن التابعة للكنيست يوفال شتيانتيس بطرد ياسر عرفات إلى تونس.وفي اليوم التالي ألمح رئيس أركان الجيش الإسرائيلي الجنرال موشي يعلون إلى أن الاغتيال يقترب من ياسر عرفات .

كان عرفات يواصل عمله ونشاطه في مقره بالمقاطعة ..يستقبل ويودع الزوار والوفود :ويعقد الاجتماعات مع مسؤولين ومساعدين .. بقي عرفات محور العمل السياسي الفلسطيني ولم تنجح كل محاولات إسرائيل لعزله.

وبدأت "الحرب الصحية" تتصاعد على الرئيس ياسر عرفات يوم 4 نيسان/أبريل حيث نقلت القناة الثانية في التلفزيون الاسرائيلي نبا عاجلا مفاده ان الرئيس عرفات اصيب بجلطة دماغية، بينما كان في الواقع يقوم بعمله  بشكل طبيعي في المقاطعة في رام الله. وقال صحافي اجنبي وقتها انه رصد خلال الأشهر الخمسة التي سبقت 10 تقارير صحافية عن تدهور صحة عرفات ،و عندما تحقق من مصادرها وجدها جميعا إسرائيلية الأصل .. وبالطبع  كانت كلها عارية عن الصحة وبلا أساس .  
 

في يوم 7نيسان/ابريل قال رئيس الوزراء الفلسطيني أحمد قريع في تصريحات في القاهرة انه يجب التعامل بجدية مع التهديدات الاسرائيلية باغتيال عرفات بعد أن كان شارون صرح قبل يومين على ذلك بانه لا يضمن سلامة عرفات .وجاءت الاشارة القوية يوم  14/4/ 2004  حين أخبر شارون الرئيس الاميركي جورج بوش ـ حسب الكاتب الإسرائيلي "اوري دان" وهو أحد مقربي ارئيل شارون ومؤتمن أسراره ـ بانه لم يعد ملزما أكثر بالوعد الذي قطعه  له حسب طلبه في آذار/مارس 2001 والذي تعهد فيه بعدم المس جسديا بعرفات ،فرد عليه بوش وقال: من الأفضل أن نترك مصير الرجل في يد رب السماء ،فقال له شارون : رب السماء يحتاج في بعض الأوقات إلى مساعدة .

لم يعط بوش لشارون الضوء الاخضر لقتل ياسر عرفات، لكن شارون اعتبر ان يده باتت طليقة فيما يتعلق بعرفات.وفي ذلك اليوم 14/4/ 2004  أعطى بوش لشارون ما اعتبره البعض "وعد بوش" على غرار "وعد بلفور" ...فقد وجه بوش رسالة إلى شارون أعلن فيها موافقته على خطة الانسحاب الاحادي من غزة، وأعطى بوش " شرعية" في خطابه للتجمعات الاستيطانية وتبنى اللاءات الإسرائيلية بشان حق العودة للاجئين الفلسطينيين وحدود الرابع من حزيران الامر الذي رفضه ياسر عرفات.

وبعد اغتيال إسرائيل للزعيم الجديد لحركة حماس عبد العزيز الرنتيسي في 17/4/2004  بستة أيام وجّه شارون تهديداًجديداًإلى عرفات، معتبراً أن الرئيس لـم يعد يتمتع بأية "حصانة".
وقال شارون  "وعدت قبل ثلاث سنوات الرئيس الأميركي جورج بوش بعدم المساس بعرفات، إلا أنني لـم أعد ملزماً بهذا الوعد، والأخير لـم يعد يستفيد من أية حصانة".

ونقل  عن شارون قوله في الـمقابلة إنه أبلغ بوش بأنه لـم يعد ملتزماً بتعهده بعدم إيذاء عرفات جسدياً، وبأنه يدرك الـمشاكل الـمتعلقة بهذه الـمسألة، لكنه لـم يعد ملزماً بالاتف