خبر : نظرة سريعة على نتائج الانتخابات المحلية .. بقلم: سليمان ابوارشيد

السبت 03 نوفمبر 2018 12:26 م بتوقيت القدس المحتلة

نظرة سريعة على نتائج الانتخابات المحلية .. بقلم: سليمان ابوارشيد

اسم الكاتب:سليمان ابو ارشيد

نظرة سريعة على مجريات ونتائج انتخابات السلطات المحلية العربية الأخيرة، نلحظ جملة من القضايا أهمها، اندحار القضايا السياسية العامة لصالح القضايا المحلية، وتراجع القضايا المحلية العامة لصالح المنافع الفئوية العائلية والمصلحية، وتآكل منظومة القيم السياسية والأخلاقية الضابطة للتعاملات الانتخابية ولمجمل العمل البلدي، لصالح معادلة "خذ وهات" التي تقوم على المصالح والمنافع، والتي تشكل تربة خصبة لفساد مجالسنا وإفساد قيمنا الاجتماعية الأصيلة.

وتنجلي هذه المظاهر في وضع تتفاقم فيه أزمة العمل السياسي التي تتمثل بانعزال الأحزاب وتقوقعها، وتحول غالبيتها إلى دوائر منغلقة على ذاتها، وحلقات نخبوية باتت تشكل أطواقا عازلة بين القيادة وبين الناس، عوضًا عن تشكيلها حلقات تواصل ووسائط تغلغل بين الجماهير.

ا شك أن الحزب هو أداة تنظيم عصرية، طليعة سياسية يناط بها تلبية طموحات الناس وقيادة نضالاتهم والدفاع عن مصالحهم، وهو القادر كونه يضم المجموعة الأكثر إقداما واستعدادا للعمل والتضحية والتي أفرزت بشكل ديمقراطي، على تمثيل مصالح المجموعة المعنية والدفاع عن مصالحها، وهو بهذا المعنى أكثر نجاعة من العمل الفردي الذي يقوم على التواصل المباشر بين القائد والناس، وأكثر حيوية من النظام العائلي الذي يجمعه خيط الدم.

لكن تعرض هذا الجهاز الحزبي لخلل ما، قد يؤدي إلى إصابة الجسم في إحدى وظائفه الحيوية، كما هو الحال في الجسم البشري، حيث يتسبب تعطل وصول الدم إلى الرأس مثلا، بشلل دماغي يؤدي بدوره إلى تعطل حركة الأطراف المرتبطة بتلقي إشارات من الدماغ. هكذا يحدث أيضًا عندما يصاب الجسم الحزبي بالشلل بعد أن يفقد التواصل بين الرأس والأطراف، نتيجة تعطل همزات الوصل داخل الجسم نفسه، وبينه وبين محيطه الجماهيري.

عندها تتعزز البدائل العائلية أو يتم اللجوء إلى المظاهر الفردانية، التي لا وسائط بين الناس وبينها، وتتعاظم تلك المظاهر كلما تفاقمت أزمات الأجسام السياسية وفقدت دورها وقدرتها على التنظيم والقيادة.

وفي الحقل العملي، نشاهد كيف تجتاح ظاهرة كظاهرة علي سلام المدينة العربية الأكبر، الناصرة، تاركةً قيادات الأحزاب التي التفت حول مرشحها التوافقي فاغرة الأفواه، بعد أن جرف رئاسة البلدية وغالبية كراسيها، وكيف تعود العائلية بصورها السياسية والاجتماعية الأبشع وبوجوهها المهترئة، أمثال عرسان ياسين في شفاعمرو، لتحتل المشهد من جديد.

ومن دون شك، فإن هاتين القضيتين تستحقان، بلا علاقة بينهما، التوقف عندهما ومعاينة أسبابهما وتداعياتهما على مجمل الساحة السياسية؛ الأولى، هي كيف تحول علي سلام إلى ظاهرة، بعد أن كان في الانتخابات السابقة حالة احتجاج على ما يمكن تسميته بـ"تكلس الجبهة" واستطالة حكمها، الذي دام أربعة عقود في بلدية الناصرة؛ والثانية، هي العودة المتجددة لعرسان ياسين في شفاعمرو بعد فترتين انتخابيتين على سقوطه.

وإذا كان بعض المجتهدين يرون بفوز سلام الجارف استمرارًا لمعاقبة جبهة الناصرة الذي بدأ في الانتخابات السابقة، وعدم انطلاء "خديعة" عودتها من شباك المرشح التوافقي على الناس؛ فإنني أرى أنه بمثابة عقاب لجميع الأحزاب التي تحولت إلى مجموعة محترفين متعالين على هموم الناس وقضاياها، تبحث عن المشترك في ما بينها وبين الشرائح الفوقية للمجتمع، وتجده وتتوحد حوله، ولا تبحث ولا تجد المشترك مع الطبقات الدنيا منه.

ويصح أن نقول إنه عندما تتحول الأحزاب إلى "حجاب حاجز" بين الناس وبين القيادات، ستفتش الناس عن قيادات تستطيع أن تصل إليها بشكل مباشر ومن دون وسائط/ قيادات تشعر أنها قريبة إليها وإلى همومها وقضاياها، وأعتقد أن ظاهرة علي سلام هذه المرة كانت بمثابة حالة احتجاج صارخ على تقوقع الأحزاب في القمة وتهيبها من "النزول" إلى الناس المهمشة.

أما عودة عرسان ياسين في شفاعمرو، فهي دليل متجدد بأن العائلية والطائفية لا سقف لها، ويمكن أن تفرز في ظل التراجع السياسي أنماطًا جديدة ومكررة من المتهادنين والمتعاونين مع السلطة، وذلك بعكس الاعتقاد الرائج بأنها ركوبة سهلة يمكن من خلالها الوصول للسلطة المحلية، علما أن هذا النوع من العلاقة قد أثبت أنه في كثير من الحالات يصعب التمييز بين الركوبة والراكب.